الآلوسي

72

تفسير الآلوسي

* ( قَالَ ) * عليه السلام عادلاً عن جوابه إلى ذكر صفاته عز وجل على نهج الأسلوب الحكيم إشارة إلى تعذر بيان الحقيقة * ( رَبُّ السَّمَاوَات وَالأَرْض وَمَا بَيْنَهُمَا ) * والكلام في امتناع معرفة الحقيقة وعدمه قد مر عليك فتذكر ، ورفع * ( رب ) * على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو رب السماوات والأرض وما بينهما من العناصر والعنصريات * ( إنْ كُنْتُمْ مُّوقنينَ ) * أي إن كنتم موقنين بالأشياء محققين لها علمتم ذلك أو إن كنتم موقنين بشيء من الأشياء فهذا أولى بالإيقان لظهوره وإنارة دليله فإن هذه الأجرام المحسوسة ممكنة لتركبها وتعددها وتغير أحوالها فلها مبدأ واجب لذاته ثم ذلك المبدأ لا بد أن يكون مبدأ لسائر الممكنات ما يمكن أن يحس بها وما لا يمكن وإلا لزم تعدد الواجب أو استغناء بعض الممكنات عنه وكلاهما محال ، وجواب أن محذوف كما أشرنا إليه . * ( قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلاَ تَسْتَمِعُونَ ) * * ( قَالَ ) * فرعون عند سماع جوابه عليه السلام خوفاً من أن يعلق منه في قلوب قومه شيء * ( لمَنْ حَوْلَهُ ) * من أشراف قومه ، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : كانوا خمسمائة رجل عليهم الأساور وكانت للملوك خاصة * ( أَلاَ تَسْتَمعُونَ ) * جوابه يريد التعجيب منه والإزراء بقائله وكان ذلك لعدم مطابقته للسؤال حيث لم يبين فيه الحقيقة المسؤول عنها وكونه في زعمه نظراً لما عليه قومه من الجهالة غير واضح في نفسه لخفاء العلم بإمكان ما ذكر أو حدوثه الذي هو علة الحاجة إلى المبدأ الواجب لذاته عليهم وقد بالغ اللعين في الإشارة إلى عدم الاعتداد بالجواب المذكور حيث أوهم أن مجرد استماعهم له كاف في رده وعدم قبوله ، وكان موسى عليه السلام لما استشعر ذلك من اللعين . * ( قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَآئِكُمُ الاَْوَّلِينَ ) * * ( قَالَ ) * عدولاً إلى ما هو أوضح وأقرب إعطاء لمنصب الإرشاد حقه حسب الإمكان لتعذر الوقوف على الحقيقة كما سمعت : * ( رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَائكُمُ الأَوَّلينَ ) * فإن الحدوث والافتقار إلى واجب مصور حكيم في المخاطبين وآبائهم الذين ذهبوا وعدموا أظهر والنظر في الأنفس أقرب وأوضح من النظر في الآفاق ؛ ولما رأى اللعين ذلك وقوي عنده خوف فتنة قومه . * ( قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِىأُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ) * * ( قَالَ ) * مبالغاً في الرد والإشارة إلى عدم الاعتداد بذلك مصرحاً بما ينفر قلوبهم عن قائله وقبول ما يجئ به . * ( إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذي أُرْسلَ إلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ) * حيث يسئل عن شيء ويجيب عن شيء آخر وينبه على ما في جوابه ولا ينتبه ، وسماه رسولاً بطريق الاستهزاء ، وأضافه إلى مخاطبيه ترفعاً من أن يكون مرسلاً إلى نفسه وأكد ذلك بالوصف ، وفيه إثارة لغضبهم واستدعاء لإنكارهم رسالته بعد سماع الخبر ترفعاً بأنفسهم عن أن يكونوا أهلاً لأن يرسل إليهم مجنون . وقرأ مجاهد . وحميد . والأعرج * ( أرسل ) * على بناء الفاعل أي الذي أرسله ربه إليكم ، وكأنه عليه السلام لما رأى خشونة في رد اللعين وإيماء منه إلا أنه عليه السلام لم يتنبه لما في جوابه الأول من الخفاء عند قومه بل كان عدوله عنه إلى الجواب الثاني لما رماه به عليه اللعنة . * ( قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ والْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ ) * * ( قَالَ ) * عليه السلام تفسيراً لجوابه الأول وإزالة لخفائه ليعلم أن العدول ليس إلا لظهور ما عدل إليه ووضوحه وقربه إلى الناظر لا لما رمى به وحاشاه مع الإشارة إلى تعذر بيان الحقيقة أيضاً بالإصرار على الجواب بالصفات * ( رَبُّ الْمَشْرق وَالْمَغْرب وَمَا بَيْنَهُمَا ) * وذلك لأنه لم يكن في الجواب الأول تصريح باستناد حركات السماوات وما فيها وتغيرات أحوالها وأوضاعها